الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
121
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، وأنه قد انقضى خبره بعد تلك الأحوال التي قصّت في هذه السورة ، وأنه قد لحقه الموت الذي يلحق البشر في أقصى غاية من الأجل يمكن أن تفرض ، وأن يحمل ما يعزى إليه من بعض الصوفية الموسومين بالصدق أنه محوك على نسج الرمز المعتاد لديهم ، أو على غشاوة الخيال التي قد تخيم عليهم . فكونوا على حذر ممن يقول : أخبرني الخضر . [ 83 ، 84 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 83 إلى 84 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( 84 ) افتتاح هذه القصة ب وَيَسْئَلُونَكَ يدلّ على أنها مما نزلت السورة للجواب عنه كما كان الابتداء بقصة أصحاب الكهف اقتضابا تنبيها على مثل ذلك . وقد ذكرنا عند تفسير قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي في سورة الإسراء [ 85 ] عن ابن عباس : « أن المشركين بمكة سألوا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب . فقالوا : سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبي » . وإن أجاب عن بعضها وأمسك عن بعض فهو نبيء ؟ . وبيّنا هنالك وجه التعجيل في سورة الإسراء النازلة قبل سورة الكهف بالجواب عن سؤالهم عن الروح وتأخير الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين إلى سورة الكهف . وأعقبنا ذلك بما رأيناه في تحقيق الحق من سوق هذه الأسئلة الثلاثة في مواقع مختلفة . فالسائلون : قريش لا محالة ، والمسؤول عنه : خبر رجل من عظماء العالم عرف بلقب ذي القرنين ، كانت أخبار سيرته خفيّة مجملة مغلقة ، فسألوا النبي عن تحقيقها وتفصيلها ، وأذن له اللّه أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل ، وفي عجيب صنع اللّه تعالى في اختلاف أحوال الخلق ، فكان أحبار اليهود منفردين بمعرفة إجمالية عن هذه المسائل الثلاث وكانت من أسرارهم فلذلك جرّبوا بها نبوءة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه ، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن ، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حكمية أو خلقية فلذلك قال اللّه : قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً .